احتباس حراري

خبـر مــروِّع قادتني أصابعي إليه على الإنترنيت ذات ليلة إعصار مــرَّ على المدينة

:ففي الكلام عن الانحباس أو الاحتباس الحراري يقول الراوي

من آثار ارتفاع درجة حرارة الأرض، ذوبان الجليد عند القطبين.. وهو ما يقدر العلمـاء أنه في حـال استمراره فإن ذلك سيؤدي إلى

إغراق الكثير من المدن الساحلية حول العالم، وأن في كل إنفلاق جليدي وذوبانه ما يكفي لإغراق مدينة بمساحة نيويورك

وتقول الأخبار: أن ملأً ً من رجالات الأديان السماوية وغير السماوية وجميع المذاهب والملل والطرائق قد جـَمعوا وحزموا أمرهم

وزحفوا إلى أبعد نقطة في القطب الشمالي، مبتهلين بالصلاة والدعاء إلى الله أن يحمي هذا الكون ويمـد في عمره

وتحت وطأة الشعور بالخوف تلك الليلة على مدينتي وعلى العالم بدأت الهواجس تغزوا قلبي وتؤرقني

وفكرت كمواطن حريص في هذا الكون أن أساهم في عملية الإنقــاذ. وأول ما مر بخاطري بناء سفينة على غرار سفينة أبانا نـوح

..تغمده الله برحمتـه، أجمع فيها من كل زوجين إثنين

وكان نوحـاً عليه سلام الله مدعوماٌ من الخالق فأمده بطول العمر ورخص ٍ في أسعار مواد البناء. وأيـده بالصبر والحكمة وطولـة البال

فاختـار من ذريته ثمانين نفساً معهم نساؤهم على ذمة " ابن عباس" يمثلون جميع العروق والألوان، وكذلك جمع من الطير والدواب

...والزرع ومن كل خلق زوجين نواة لبناء مجتمع جديـد خـال ٍ من كل شر وحقـد وظلـم وضغينـة

..وامتد هذا الهاجس وتسلل إلى حلمي في تلك الليلة فرأيت فيما يرى النائـم، وليس على النائم الحالـم من حـرج

.رأيــت: غواصـة ذريـَّـة بحجم الأفـق، فيها خلق كثيـر ورزق وفيـر، فيها معامـل ومخابـر وعلمـاء

.وممثلين عن الساسة والسياسيين والأمم المتحدة ومجلس الأمن وجميع الهيئات والمنظمات الدولية

..يجلسون متقابلين على موائد مستديرة وميكرفونات أنيقة.. ورأيت خزائن كثيرة فيهــا ملفات استخباراتية لكل شعوب الأرض

.وأسلحة دمار شامل وصواريخ عابـرة للقارات ورؤوس نوويـة.. وحقائب دبلوماسية.. ومؤامرات وسخة تحاك خلف الكواليس

.وعـود ٌ وصكوك ُ تمليك لأوطـان رُسِمت ْحدودها بعد انحسار الطوفـان

وكمواطن “كوني" غيـور، حملت معي / بضع قرارات / لشعوب مقهورة كنت قد لملمتها من أروقـة الأمم المتحدة ومنظمـات

حقوق الإنسان بعد إخلائها وتسللت بها إلى غواصة الإنقـاذ. ولم أنس َ ملفي الأزلي، إضبـارة الدعوى لتثبيت ملكية منزلي

في إحدى ضواحي المدينة الذي سحبته خلسة من رفوف " قصر العـدل " دون دفع أي رشوة أو إكرامية للموظف الناطـور

.حيث كان منشغلاً بجمع ما أمكنه من الملفات الدسمة مصدر رزقـه الإضافي

فرصة نادرة لا تتكـرر، أن أكون بين هذا الحشد الكوني ــ قلت في نفسي ــ وأنا أعبر الممرات الطويلـة وقاعات التجمع

:وأرى العالم لأول مرة "وربمـا الأخيـرة" مباشرة من غير وسائل إعـلام

.هي ذي ثلة من ملكات جمال الأرض بآخر صيحات الأزياء والحلي والحلل يطوف عليهن رجال الصحافة والسينما ودور الإنتـاج

ومجموعات من أجناس متشابهة تنتظم بمسيرة ولافتـات تدعـو للزواج من نفس الجنس

وسماسرة، ووسطاء، وعابثين، وعابثـات.. وفي ركن غير بعيد تتستف أكوام "المنشطات" المخدرة بكل أشكالها وألوانها المشروعة

.وغير المشروعة توزع مجاناً على شعوب العالم الثالث والرابـع والخامس.. وهرج ومرج..  وصياح سكارى ودموع عذارى

وعند آخر الممر المظلم ينفرج باب عن قاعـة رحبـة يطل منه قبطان الغواصة المنقـذة ومعه فريق الملاحة البحري بذيهـم الأبيض الأنيق

وعلى صدورهم رَسْم ُ العـَلـَـم الأميركي وأوسمة كثيرة جمعوها من حروب كثيرة ودمـاء كثيرة، يعلنـون عن بـدء العاصفة

وربـط الأحزمـة على البطـون والأدمغـة والألسنة. وتناول القبطـان مكبر الصوت وأضاف مطمئناً: سنمر في بعض المطبـات

والتيارات البحرية المزعجة، غير أننا نوعدكم بالوصول سالمين إلى بـرالأمان، إذا ما تعاونتم معنا وألقيتم جميع أحمالكم التاريخية

..وكل القيم والمثاليات الموروثـة، قبل الإبحـار.. نتمنى لكم رحلـة سعيدة إلى عالمكم الجـديد  

 

استيقظت ُ مذعـوراً وأنا أردد دعـاء نــوح عليه سلام الله

"رَبِّ لا تـذرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيـَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَـذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلـِدُوا إِلاَّ فَاجِـراً كَفـَّاراً"

   

..وعلي َّ وعلى أعـدائي يـا رب

Get in touch.

Thank you for browsing my library. Have any thoughts? Feel free to reach out.

ابقى على تواصل.

شكرا لتصفحك في مكتبتي. هل لديك سؤال؟ لا تتردد في التواصل.

Thank you!
Oops! Something went wrong while submitting the form.